فخر الدين الرازي
185
تفسير الرازي
عليه السلام فهو من ولد هارون أخي موسى عليه السلام وهارون وموسى عليهما السلام من ولد لاوي بن يعقوب بن إسحاق وكانت النبوة في سبط يعقوب لأنه هو إسرائيل صلى الله عليه وسلم وقال بعض المفسرين ليس المراد من يعقوب ههنا ولد إسحق بن إبراهيم عليه السلام بل يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وكان آل يعقوب أخوال يحيى بن زكرياء وهذا قول الكلبي ومقاتل . وقال الكلبي كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم وكان زكريا رأس الأحبار يومئذ فأراد أن يرثه ولده حبورته ويرث من بني ماثان ملكهم ، واعلم أنهم ذكروا في تفسير الرضى وجوهاً . أحدها : أن المراد واجعله رضياً من الأنبياء وذلك لأن كلهم مرضيون فالرضي منهم مفضل على جملتهم فائق لهم في كثير من أمورهم فاستجاب الله تعالى له ذلك فوهب له سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين لم يعص ولم يهم بمعصية ، وهذا غاية ما يكون به المرء رضياً . وثانيها : المراد بالرضي أن يكون رضياً في أمته لا يتلقى بالتكذيب ولا يواجه بالرد . وثالثها : المراد بالرضي أن لا يكون متهماً في شيء ولا يوجد فيه مطعن ولا ينسب إليه شيء من المعاصي . ورابعها : أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قالا في الدعاء : * ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ) * ( البقرة : 182 ) وكانا في ذلك الوقت مسلمين ، وكأن المراد هناك ثبتنا على هذا أو المراد اجعلنا فاضلين من أنبيائك المسلمين فكذا ههنا واحتج أصحابنا في مسألة خلق الأفعال بهذه الآية لأنه إنما يكون رضياً بفعله ، فلما سأل الله تعالى جعله رضياً دل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى . فإن قيل : المراد منه أن يلطف له بضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً فينسب ذلك إلى الله تعالى . والجواب من وجهين : الأول : أن جعله رضياً لو حملناه على جعل الألطاف وعندها يصير المرء باختياره رضياً لكان ذلك مجازاً وهو خلاف الأصل . والثاني : أن جعل تلك الألطاف واجبة على الله تعالى لا يجوز الإخلال به وما كان واجباً لا يجوز طلبه بالدعاء والتضرع . قوله تعالى * ( يا زَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في من المنادي بقوله : يا زكريا ، فالأكثرون على أنه هو الله تعالى وذلك لأن ما قبل هذه الآية يدل على أن زكريا عليه السلام إنما كان يخاطب الله تعالى ويسأله وهو قوله : * ( رب إني وهن العظم مني ) * ( مريم : 4 ) وقوله : * ( ولم أكن بدعائك رب شقياً ) * ( مريم : 4 ) وقوله : * ( فهب لي ) * ( مريم : 5 ) وما بعدها يدل على أنه كان يخاطب الله تعالى وهو يقول : * ( رب أنى يكون لي غلام ) * إذا كان ما قبل هذه الآية وما بعدها خطاباً مع الله تعالى وجب أن يكون النداء من الله تعالى وإلا لفسد النظم ، ومنهم من قال هذا نداء الملك واحتج عليه بوجهين . الأول : قوله تعالى في سورة آل عمران : * ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى ) * ( آل عمران : 39 ) . الثاني : أن زكريا